ابن أبي الحديد

185

شرح نهج البلاغة

لا يغمز الساق من أين ولا وصب * ولا يعض على شرسوفه الصفر . وقال الشنفري : وأطوي على الخمص الحوايا كما انطوت * خيوطه ماري تغار وتفتل ( 1 ) وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن * بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل وما ذاك إلا بسطه عن تفضل * عليهم وكان الأفضل المتفضل . وقال بعضهم لابنه : يا بنى عود نفسك الإثرة ، ومجاهدة الهوى والشهوة ، ولا تنهش نهش السباع ، ولا تقضم قضم البراذين ، ولا تدمن الاكل إدمان النعاج ، ولا تلقم لقم الجمال ، إن الله جعلك انسانا ، فلا تجعل نفسك بهيمة ولا سبعا ، واحذر سرعة الكظة ، وداء البطنة ، فقد قال الحكيم : إذا كنت بطنا فعد نفسك من الزمني ( 2 ) . وقال الأعشى : * والبطنة يوما تسفه الأحلاما ( 3 ) * . واعلم أن الشبع داعية البشم ، والبشم داعية السقم ، والسقم داعية الموت ، ومن مات هذه الميتة فقد مات موتة لئيمة ، وهو مع هذا قاتل نفسه ، وقاتل نفسه ألوم من قاتل غيره . يا بنى والله ما أدى حق السجود والركوع ذو كظة ، ولا خشع لله ذو بطنة ، والصوم مصحة ، ولربما طالت أعمار الهند ، وصحت أبدان العرب ، ولله در الحارث بن كلدة حيث زعم أن الدواء هو الأزم ، وإن الداء ادخال الطعام في أثر الطعام ، يا بنى لم صفت أذهان الاعراب ، وصحت أذهان الرهبان مع طول الإقامة في الصوامع ، حتى لم تعرف وجع المفاصل ، ولا الأورام ، إلا لقلة الرزء ، ووقاحة الاكل ، وكيف لا ترغب في تدبير يجمع لك بين صحة البدن وذكاء الذهن وصلاح المعاد

--> ( 1 ) لامية العرب 27 . ( 2 ) الزمني : المرضى عن كبر وهرم . ( 3 ) ديوانه 247 ، والبيت بتمامه : يا بنى المنذر بن عبد الله * والبطنة يوما قد تأفن الأحلاما .